محمد بيومي مهران

124

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

خفاء واحتجاب ، فلما رأى الشمس بازغة قال : « هذا ربي » ، وإنما ذكره لأنه أراد الطالع ، أو لأنه جعل المبتدأ مثل الخبر ، لأنهما شيء واحد معني ، وفيه صيانة الرب عن شبهة التأنيث ، ولهذا قالوا : في صفات اللّه تعالى علام ، ولم يقولوا علامة ، وإن كان الثاني أبلغ ، تفاديا من علامة التأنيث ، « فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » ، أي من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها « 1 » . وأما الوجه الثالث : لو كان إلها ، كما تزعمون ، لما غاب ، فهو كقوله تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ، يعني عند نفسك وبزعمك ، وقد جرى العرب على إضمار القول ، ومنه قوله تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ ، رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا . وأما الوجه الرابع : أن في هذه الآية إضمارا تقديره : يقولون : هذا ربي ، أي يقولان : ربنا تقبل منا « 2 » . على أن هناك أخيرا وجها خامسا ، يذهب إلى أن اللّه سبحانه وتعالى قال في حق إبراهيم : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، هذا فضلا عن تشبيه إراءة اللّه تعالى إياه هذا الملكوت وما يترتب عليه من إبطال ربوبية الكواكب بإراءته ضلال أبيه وقومه في عبادة الأصنام ، ومن إسناد هذه الإراءة إلى اللّه تعالى الدال على تمييز ما رأى بها على ما كان يرى قبلها ، ومن تعليل الإراءة بما تقدم ، ومن التعقيب على ذلك بمحاجة قومه ، وقوله تعالى إنه آتاه الحجة عليهم « 3 » ، كل هذا وغيره ، فضلا عن منزلة إبراهيم العالية عند اللّه تعالى ، واتخاذ إياه خليلا ، وأنه كان أمة قانتا للّه

--> ( 1 ) تفسير النسفي 2 / 19 - 20 . ( 2 ) محمد حسني : المرجع السابق ص 41 . ( 3 ) تفسير المنار 7 / 465 .